Register

عزيزى الزائر اذا كانت هذه زيارتك الاولى فيسعدنا تسجيلك معنا بالضغط على الزر اعلاه .

النتائج 1 إلى 7 من 7






  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    صفاقس تونس
    المشاركات
    3,791
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    32

    " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    نشرت جريدة الصباح التونسية اليوم الثلاثاء 24 فيفيري 2009 ملفّا على غاية من الأهمّية بعنوان : "شاعر الحرّية و الخلود"أعدّه الصحفي محسن بن أحمد، يعدّ وثيقة هامّة جدّا حول الشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابّي رأيت من المفيد إدراجه في هذه الدوحة .

    مائوية شاعر الحرّية والخلود

    وثائق نادرة...

    وثيقـة أولــى

    حفلة تأبين الشاعر أبو القاسم الشابي الملتئمة بتونس يوم الأحد

    21 أكتوبر 1934 تشرع الاسرة الثقافية الموسّعة بتونس انطلاقا من اليوم الثلاثاء 24 فيفري الجاري في الاحتفال بمائوية ميلاد الشاعر الكبير

    الخالد أبي القاسم الشابي. ومساهمة منّي في هذا الحدث الثقافي الهام الذي أذن بتنظيمه سيادة الرئيس زين العابدين بن علي إيمانا منه بمساهمة المثقّف التونسي الفعّالة منذ عهدي الاستعمار والحماية في بناء الدولة الحديثة وتحريرها وتقدّمها وإشعاعها، ارتأيت إفادة السادة قرّاء جريدة " الصباح " الغرّاء وإتحافهم بمقتطفات هامّة من وثيقة تاريخية نادرة كنت قد أشرت إليها في دراستيّ المتعلّقتين بالشاعر أبي القاسم الشابي وهما "البؤس والالم في قصيد الاشواق التائهة" و"ظاهرة الموت عند الشابي" وذلك في كتابي "قراءات نفسجدية لنصوص إبداعية" الصادر في شهر مارس من سنة 2005. ويتعلّق الامر بكتيّب صغير هو أشبه ما يكون بالنشرية يحمل عنوان "ذكرى الشابي" وهو عبارة عن "صورة مصغّرة من حفلة تأبين فقيد الادب التونسي المرحوم أبو القاسم الشابي التي أقامتها الشبيبة المدرسية يوم الاحد 21 أكتوبر 1934" (أي بعد قرابة أسبوعين من وفاته) كما أشار إلى ذلك وفي وجه الكتيّب ناشره الطيب العنابي وهو "خريج جامع الزيتونة الاعظم ومدرسة ابن خلدون وكاتب الشبيبة المدرسية" وقد كان صدور هذه الوثيقة سنة 1934 حيث طبعت بمطبعة الاتحاد بتونس.

    أمّا عن محتوى هذا الكتيّب أو النشرية فقد بدأ بتمهيد للناشر الطيب العنابي حيث يشير فيه إلى أسباب نشره لهذه الوثيقة ـ التي أصبحت جدّ هامّة اليوم ـ قائلا: "لقد رأيت أن أطبع هذه النشرة كمشاركة صغيرة في تخليد ذكرى المرحوم أبي القاسم الشابي وهي تحتوي على صورة مصغّرة من حفلة التأبين التي أقامتها جمعية الشبيبة المدرسية التونسية فرع قدماء الصادقية للفقيد العزيز يوم الاحد 21 أكتوبر 1934".

    أمّا عن بقية محتوى الكتيّب فقد وردت المداخلات أو جزء منها أو ملخّصا لبعضها بالوثيقة المذكورة مرتّبة حسب تداول المتدخلين في حفلة التأبين وقد كان الامر كالاتي:

    - الاستاذ الصادق المقدّم رئيس الشبيبة المدرسيـــــة (آن ذاك).

    - الصحفي الاستاذ الطيب بن عيسى صاحب جريدة "الوزير".

    - الصادق حمادة التلميذ بالمدرسة الصادقية.

    - الاديب مصطفى خريّف.

    - الاديب الشيخ التيجاني بن سالم صاحب كتاب "تونس الحديثة".

    - مصطفى المؤدّب المتطوّع بجامع الزيتونة.

    - مصطفى النملاغي.

    - الطاهر بسيّس.

    - عبد المجيد الشابي.

    - عبد العزيز الشابي (ابن عمّ الشاعر أبي القاسم الشابي).

    وإثر ذلك نجد ما ألقاه بالنيابة الاستاذ الصادق المقدّم من رسائل ونصوص وردت من جمعيات وشخصيات أدبية تعذّر عليها الحضور وهي:

    - كلمة شاعر الشباب محمود بورقيبة.

    - رسالة واردة من نادي الشباب المدرسي بصفاقس تحمل توقيع مصطفى الجد الكاتب العام للنادي.

    - رسالة أحمد سالم بلغيث أمين مال الشباب المدرسي بصفاقس.

    - نصّ وارد من الجزائر بإمضاء كلّ من محمّد العيد ومفدي زكريا.

    - مكتوب وقصيد واردان من الشاعر مفدي زكريا.

    ونظرا لاهمية هذه الوثيقة التاريخية التي تعود إلى أكثر من 74 سنة خلت، يسعدني وعبر جريدة " الصباح " التي تتطلّع دوما للتفرّد والتميّز موافاة قرّاءها الكرام في تونس العزيزة وخارجها بمقتطفات من كتيّب " ذكرى الشابي " المشار إليه أعلاه - وكما وردت حرفيا وبكلّ أمانة (رغم وجود بعض الاخطاء التي قد تكون مطبعية بالاساس) بكلمة السيد الصادق حمادة وكلمة الاديب الشيخ التيجاني بن سالم ومكتوب وقصيد الشاعر الجزائري مفدي زكريا آملا أن أكون قد ساهمت ولو بقسط في إحياء أثر قد يكون لفه الغبار وتناسته أقلام الباحثين وذلك لانّ أبا القاسم الشابي قد ولد شاعرا مكتنزا بآلامه وغادر الحياة مثقلا بأحلامه وترك للاجيال اللاحقة صرخة الوطن والحرية والكرامة وعزّة النفس وكبرياء العظماء. لذلك بقي وسيبقى شاعر تونس الاوّل والاكبر رغم ما يستشفّ هذه الايام من محاولات التصغير التي شرع بعضهم في رسمها على جدران الخيبة وبدأ آخرون في دقّ مسامير عجزهم على نعش الهزيمة والاستسلام والهروب من مرارة الحقيقة التي يرفضون الاعتراف بها، ولا أجد في النهاية أروع من ردّ مقنع على موقف هؤلاء غير إجابة الشاعر أبي القاسم الشابي نفسه في قصيده " نشيد الجبّار " الذي نظمه يوم 15 ديسمبر من سنة 1933 حيث يقول:

    وأقـول للجمـع الذيـن تجشّمـوا هدمي وودّوا لو يخرّ بنائي

    ورأوا على الاشواك ظليّ هامدا فتخيّلوا أنّي قضيت ذَ مائي

    وغـدوا يشبّون اللّهيـب بكـلّ مـا وجدوا..، ليشووا فوقه أشلائي

    ومضوا يمدّون الخوان، ليأكلوا لحمي، ويرتشفوا عليه دمائي

    إنّي أقول لهم ووجهي مشرق وعلى شفاهي بسمة استهزاء -:

    "إنّ المعـاول لا تهـدّ مناكبــي والنّار لا تأتي على أعضائي"

    "فارموا إلى النّار الحشائش.. والعبوا يا معشر الاطفال تحت سمائي"

    مقتطفات من نشرية " ذكرى الشابي " (1934)

    كلمة السيد الصادق حمادة التلميذ بالمدرسة الصادقية:

    منذ أسبوعين انتقلت إلى سماوات الخلد روح فقيد الشعر والادب المرحوم أبي القاسم الشابي. منذ أيّام قلائل عرجت تلك الرّوح الكريمة إلى الرفيق الاعلى لتتسلّى بمجاورته من جحود هذا الزّمن.

    مضى نصف شهر وقد صعدت تلك الرّوح الزكية نحو معالي الابدية قاصدة جنات عدن محفوفة بالانوار القدسية لتجد هناك عزاها من كنود أهل هذا العصر.

    تمتّعي أيّتها الرّوح النبيلة بمجاورة الملك الاسمى فقد أتى دورك من أن تسخري بهذا العالم الفاني بعدما أعرض عنك وأدار وجهه منك.

    لقد عشت في مكان لم يكن معدّا لك لولا القدر لقد احتملت من بغي هذا العالم الارضي ما لم يقدر على احتماله غيرك وعرفت من صروفه ما لم يعرفه أحد. فعيشي إذن قريرة العين وانسي ذلك الماضي المظلم وافتحي عينيك إلى نور الابدية المشرق واكتحلي به وغنّي واطربي وانشدي أناشيدك العذبة وردّدي أغاريدك الحلوة.

    تبختري أيّتها الرّوح الشهيدة في الفردوس الامين وتجوّلي وامرحي في دعة وسكون وتنعّمي في ظلّ ذلك المقرّ الابدي الهادي بما بخلت به عنك هذه الدنيا الحقيرة واقطفي من أزهار الجنة النضرة ما شئت أن تقطفي لتذهبي عنك تلك الزهرات الاثيمة التي وخزت تلك اليد البيضاء والاصابع (السمحاء) من غير أن تقترف ذنبا سوى أنّها أشارت بالاصلاح والتجديد.

    اسمحي الان أيّتها الرّوح الملائكية لصوتك الرّخيم الخالد أن ينشد أغاني تلك الحقائق السامية في جوّ الملكوت الالاهي واطلقي عنانة ودعيه يصدع بها ويتنوّح بصور الكون الفاتنة.

    اعزفي أيّتها القيثارة مالك سكتّ ألم تكوني الان بعيدة عن تلك الايادي المجرمة القاسية التي طالما حاولت تحطيمك وتكسيرك فاملئي إذن بدوّيك المشجي المسكر فضاء ذلك العالم السماوي الذي أضحيت فيه.

    أي أبا القاسم

    يا من رفعت مجد العربية وخدمت آدابنا القومية بصدق وإخلاص يكفيك فخرا ما خلدته لنفسك بين صفحات التاريخ بتلك الاثار القيمة. رحمك الله وتلقاك بعفوه وأسدل عليك ستار رحمته ومنّه.

    نم لقد مات من ملك رقاب القوافي وضرب في الفنّ بسهم وافر. لقد مات زعيم النهضة الادبية وقائدها. لقد مات من أورث العربية مجدا وزادها فخرا. فابكي يا عين واحزن يا قلب ونوحي يا تونس فمصيبتك عظيمة وخسارتك فادحة.

    لقد مات أبو القاسم لكنّ ذكره حيّ لم يمت وسيدوم منقوشا على قرارة النفوس مدى الدّهر وسيظلّ أبدا منطبعا على صفحات القلوب وسينتقل إلى الجيل المقبل وسيكون له مثلا أعلى وأسوة حسنة يقتفي أثرها.

    وهل يفنى ذكر من خلّف آثارا لا تبليها يد الزّمن العابثة بكلّ شيء. وهل يزول ذكر من قد اجتهد في رفع أدب أمّته كلّها. فإن كان ذا فلمَ يخدم المرء طول عمره ولمَ يكدّ ويجتهد ؟.

    لقد خلّف الفقيد رحمه الله آثارا ثمينة قيّمة تدعو إلى الاعجاب بصاحبها وإلى الاعتراف له بالمقدرة والقيمة الادبية الرفيعة. فلطالما أسمعنا صوت قيثارته الرنين ولطالما متّعنا بقصائده الشيقة الغرّاء.

    سادتي

    إنّي مهما أطنبت في شكر هذا الرّجل الجليل الذي يعتبر أجل خسارة خسرها قطرنا العزيز فإنّي لست بمبالغ فهو ولا مراء لابرع شاعر أنجبته تونس في عصرنا هذا ولذا نرى الجرائد الشرقية قد فتحت له صدرها وجعلته في صدر محرّريها وكتابها. ومع هذا فقد عاش متروكا من مواطنيه فلم يعتن به أحد ولم يوجّه إليه أحد نظرة سوى أفراد قلائل من حاملي لواء العلم في هذا البلد حتّى أنّه لما أتى الحاضرة للاستدواء فقد جاءها غريبا وغادرها غريبا. وهذا شأن كلّ عظيم فقيمته الصادقة لا تعرف إلاّ بعد مماته. ولا تدرك إلاّ حينما يصير رهن القبر.

    فلننحني إذا بكلّ إجلال وتعظيم أمام تلك الشخصية البارزة التي فقدت وهي في زهرة الشباب ولنطأطئ الرؤوس طويلا إذعانا لرفعتها واعترافا بقيمتها متمنّين لها العفو والمغفرة من لدن العزيز الحكيم.

    كلمة الاديب الشيخ التيجاني بن سالم صاحب كتاب "تونس الحديثة":

    أيّها السادة والشبان

    مات الشابي فترك فراغا لا يملاه غيره وقد تمضي أعوام وأعوام ولا تأتي سنة بمثله. فخسارة الوطن بموته فادحة ومصاب الشباب بذهابه عظيم.

    مات الشابي بعلّة تضخّم القلب واختطفته المنون في مقتبل الشباب فمضى شهيد قلبه ومضى فداء شباب كان يفهمه ويحبّه ويحنو عليه.

    عاش الشابي مختليا بشعره وحضر موته شقيقه وحده ودخل قبره وأمله وطيد في ملاقاة الحقيقة. فطوبى له ما كفته من الحياة الدنيا نفسه وطوبى له ما كانت نظرته الاخيرة لاخ يثق به ويطمئنّ إليه ويحبّه وطوبى له وقد كانت الموت عنده نهاية الخيبة وبداية للسير في سبيل الحقيقة.

    إنّ الذي تحتفلون بإحياء ذكراه يا سادة رمز الفتوّة في أهلها ورمز الشباب في حيويته ورمز الكهولة في تبصّرها ورمز الشيخوخة في ضعفها. فقد عاش الشابي مؤملا حسّاسا مفكّرا ومريضا أيضا.

    كان مبتليا بعلّة جاهره الطبّ باستحالة برئها فاستطاع بشجاعته وصبره أن يعيش شاعرا مفكّرا بصيرا تاركا للمرض حرّية عمله وحياة يحوطها الرعب مأذونة بتشويه الاحساس وإساءة التفكير. فبماذا نعلّل صحة تصوّرات الفقيد وصدق تصويره وهو كما علمنا طريد الموت على الدّوام ؟. إنّني يا سادتي مؤمن بالكرامة وهذه الحياة الغريبة للصديق الراحل لهي أكبر الكرامات.

    الشابي يا أيها الشبان والسادة مخلص في شعره بارع في صناعته فهو الاديب الفنان الذي يريك من ثنايا نتاجه جملة نفسه. فإن ارتحل أبو القاسم إلى جوار ربّه ففي ديوانه نجد روحه وجسمه. فهو شاعر عربيّ قادر على إبلاغ مشاعره وإحساساته نحو الحياة لسواه. فهو يطيل الملاحظة والتفكير حتّى يفهم ويتذوّق ويهضم ما داخل نفسه. ويجيد الوصف والتصوير حتّى يجعلك تلمس وتشمّ وترى ما يريد حكايته لك.

    الشابي يحترم نفسه في تواضع فجاء شعره سلسا متينا. والشابي مؤمن بالمثل العليا فجاء شعره بيضا من الحبّ والامل والرحمة والاحسان. والشابي يجرّ ماضيا فاجعا ويحمل جسما ضعيفا فامتلا شعره بأذكار الموت واستنكار نظم حياة الانسان. إنّنا جميعا كلّما سئمنا ضيق الحياة الدنيا سألناه تعالى حسن الخاتمة. أمّا شاعرنا فقد طلب الموت قصد التمتّع بروح الخير والكمال الواجب استكمالهما في كلّ مجتمع محترم شريف.

    سادتي

    لو مدّد الله حياة صديقنا الفاني لنازع العروبة حماية لغة القرآن ولشاد لتونسنا العزيزة مدرسة أدبية ممتازة لكنّه وقد لبّى داعي ربّه فلنتسلّ بما كان عليه صديقنا من الطمأنينة لمستقبله ساعة موته.

    قصيد الشاعر الجزائري مفدي زكريا

    (ألقاه نيابة عن الشاعر الذي قد تعذّر عليه حضور حفلة الـتأبين الصادق المقدّم رئيس الشبيبة المدرسية آن ذاك)

    التقديم:

    أيّها الحفل الرّهيب

    في ساعة مؤخّرة جدّا بلغنا أنّكم تقيمون حفلة تأبين للشاعر الفحل المرحوم أبي القاسم الشابي يوم 21 أكتوبر ولم تكن الظروف لتسمح لي بمشاركتكم مشاركة كاملة إلاّ أنّ الواجب المقدّس وهو واجب مشاركة كلّ قطر من أقطار الشمال الافريقي في سرّائه وضرّائه مهما كانت الظروف قاسية جعلني أتقدّم إليكم بهذه القصيدة المنظومة تحت تأثير الاضطرابات الكثيرة وأخرى أنّ الرابطة القومية التي تربطني بالفقيد لا تدعني أتقهقر أمام شيء واجب لست في حلّ منه مهما كانت الاعذار معقولة وعسى أنّ عين رضاكم تتغاضى عمّا فيها من تقصير.

    القصيد: (بدون عنوان)

    طربت أمس هناء واليوم أبكي عزاء

    تلك الدنيا عوّدتني خداعـهـا والريـاء

    حتّـى رأيت سواء بكـاءهـا والغنـاء

    و(أمّ دفر) عجـوز تباشـر الفحشــاء

    أضاعت الرشد لمّا أضاعت الخرفاء

    كم أجزلت لي رضاها وبادلتنـي الـولاء

    وكم أرتنـي وجهـا مهلّــلا وضّـــاء

    ونـاولتنـي ثغـرا لثمت فيه الرّجاء

    حتّى إذا رمت وصلا وجئت أرجو الوفاء

    رأيتها وهي تنسا ب حيّــة رقطـاء

    وكم لها من إهاب تغري به البسطاء

    حتّى إذا لمسوها تبدّلــت حربــاء

    يا ناعي الشعر هلاّ كفـى البلاد بـلاء

    فـي كلّ يـوم حـداد يبقي البلاد خلاء

    في كلّ يوم مصاب يبكي العيون دماء

    وأكبـد مزّقتـهـــا يـد البـلاء أشــلاء

    وأنفس ضارعات حرّى تعاني الشقاء

    في كلّ بيت أنين يفتّـت الاحـشــاء

    وكم بها زفـرات ألهبن هذا الفضاء

    أما كفاها صليـا أمـا كفـى برحـاء

    مآتم تلو أخـرى تذري القلوب هباء

    رحماك يا ربّ يا من خلقتنــا ضعفــاء

    لم نذرع في الرزايا إليـك إلاّ الدعـاء

    ويا بني (تلك)!! مهلا لا تركبوا الخيلاء

    كنّـا لكـم شرفـاء كونوا لنا شرفاء

    يا خالد الذكر فاهنا لقد بلغت البقاء

    نم في الضلوع وخذ هــــــذه القلوب غطاء

    بنيت فيها عروشا لمن تركت البناء

    تبكيك زهر القوافي فافرغ عليها العزاء

    قد كنت فيها أمينا تقـــدّس الامنــــاء

    تروي الحديث عن القلــــب صادقا لا هراء

    فلـم تقلّـد لبيــــدا فيــه ولا الخنسـاء

    فكان شعرك حرّا وكنـت فيـه ثنـــاء

    والشّعر إن كان لغوا فنـاد فيـه العفــاء

    يبلى غدا فيلقى تصديـة ومكــــاء

    سئمت دهرك لمّا عانيـت داء عيـاء

    فجئت للموت ترجو على يديـه الشفـاء

    ناديت بالشعر عزرا ئيـلا فلبّـى النّـداء

    ولو درى أنّها رو ح شاعـر ما أسـاء

    كفى ذوي الشّعــــــــــــــر أن ينالوا البقـاء

    لو سامح الموت قوما لسامـح الشعراء

    نم هانئا مطمئنّا واطرح هناك العناء

    هذا رثائي وإن كنــــــــــــت لا أجيد الرّثاء

    ولدت هشّا طروبا وما ألفت البكاء

    فاقبل من الاخت منّي تحيّـــــــة وولاء

    واسجد لربّك شكرا ونل هناك الجزاء

    ــــــــــــــــــــ

    وثيقــــــــة ثانيـــــــــة

    قصة «رسالة للشابي» يرويها الأديب أبو القاسم كرو

    جاء في مداخلة للأديب الكبير ابو القاسم محمد كرو في خمسنية الشابي 1984 بعنوان «الشابي من خلال وثيقة نادرة بخطه او اضواء جديدة حول الخيال الشعري عند العرب»

    «هذه رسالة كتبها الشابي الى الدكتور علي الناصر الشاعر والطبيب السوري المولود بحماه سنة 1894 والمتوفي بحلب مقتولا بالرصاص داخل عيادته سنة 1970 ويعود الفضل الى الصديق سامي الكيالي الذي توسط في الحصول على هذه الرسالة من الدكتور الناصر وكان ذلك سنة 1966 على مرحلتين ففي الاولى نسخ لي الاستاذ الكيالي نصي الرسالة بخطه وفي الثانية بعث لي بنسخة مصورة عنها كما هي بخط الشابي».

    أغزر المؤلفين

    يعتبر الاديب الكبير ابو القاسم محمد كرو اغزر المؤلفين والمبدعين الذين كتبوا عن ابي القاسم الشابي وله في ذلك المؤلفات التالية:

    * الشابي: حياته وشعره: طبعته الاولى سنة 1952

    * كفاح الشابي: الطبعة الاولى 1954

    * آثار الشابي وصداه في الشرق: الضيعة الاولى 1961

    * دراسات عن الشابي الطبعة الاولى 1966

    * الشابي من خلال رسائلة الطبعة الاولى 1971

    * نثر الشابي: الطبعة الاولى 1994

    * رسائل حول الشابي: الطبعة الاولى 1994

    * صور كلمات: الطبعة الاولى 1994

    * شعراء المغرب (تحقيق) الطبعة الاولى 1994

    الى جانب: اغاني الحياة والخيال الشعري عند العرب: كتابان اعيد نشرهما تحت اشراف اديـبنا الكبير ابو القاسم محمد كرو علاوة على اكثر من 100 مقالة منشورة و4 كتب مخطوطة (دفاعا عن الشابي ـ الشابي في الاذاعات ـ الشابي بخطه (ترجمته ـ قصائده نثره) الشابي شاعر احبه)

    ــــــــــــــــــــ

    وثيقــــــــة ثالـــــــثــــــة

    ميخائيل نعيمة يتحدث عن الشابي

    بادر الأديب الكبير أبو القاسم كرّو سنة 1952 باصدار أول كتاب حول شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي بعنوان «الشابي حياته ـ شعره».

    وقد سعى اديبنا الكبير أبو القاسم محمد كرو ـ أمد الله في انفاسه ـ باهداء نسخة من هذا الكتاب الى الأديب الكبير الراحل ميخائيل نعيمة الذي رحّب بالهدية من خلال رسالة بعث بها الى المؤلف عام 1953 وهذا ابرز ما جاء فيها:

    «... وأمّا كتابك عن الشابي فهو في نظري خدمة جليلة للأدب العربي وللمكتبة العربية فهذا الشاعر الفذ الذي طوت المنون صحيفة عمره وهو مايزال في ريق الشباب جدير بان يعرف العرب في كل اقطارهم اين بنت وكيف عاش وعمّا ذا تفتقت قريحته الجيّاشة بالثورة على الظلم والبشاعة والتواقة الى العدل والحرية والجمال، فليس يكفينا أن نعرف انه القائل:

    اذا الشعب يوما اراد الحياة

    فلا بد أن يستجيب القدر

    ولا أبالغ اذا قلت ان أكثر الذين سمعوا بالشابي لا يكادون يذكرونه الا بتلك القصيدة «ارادة الحياة» فكتابك عنه قد جاء في وقته، بارك الله فيك».



    إصدار طابع بريدي بمناسبة مائوية ميلاد أبو القاسم الشابي
    ملف من إعداد: محسن بن أحمد

    يصدر البريد التونسي اليوم 24 فيفري طابعا بريديا بمناسبة احياء بلادنـا هذه السنــــة للذكرى المئويـــــــة لميلاد شاعر تونـــــس الكبير أبو القاسم الشابي، تخليدا لتراثه الشعري والأدبي والفكري المتميز، ووفــــاء لرموز تونـــس واعترافا بالجميل لكل من اسهم في بناء

    نهضة بلادنا وفي ارساء حداثتهــــا واشاعــــة القيم الوطنــــية النبيلـة في ربوعهـــــــــا.



    «الخيال» بين الشابي والخضر حسين

    إذا كان «الخيال الذي يتحدث عنه محمد الخضر حسين قرين هذه «المخيلة» التي قد ينتهي جموحها - في التراث الفلسفي الذي يعتمد عليه - إلي الجنون والهلوسة - فإنّ «الخيال» الذي يتحدث عنه الشابي قرين هذه الطاقة الخلاّبة التي تحدث عنها الشعراء الرومنسيون، والتي رأوا فيها السبيل الوحيد إلى اكتشاف الحقائق الروحية للإنسان والحقيقة المطلقة للعالم، ولذلك يتباعد «خيال» الشابي كل البعد عن السياق الذي يدور فيه «خيال» محمد الخضر حسين وحافظ ابراهيم وأقرانهما «خيال» الأول بصفة «الشعري» وتقترن الصفة نفسها بسياق آخر، هو نقيض للسياق الإحيائي ونفي له على السواء».

    د.جابر عصفور



    اليــوم فـي تـــوزر تنطلق الاحتفالات

    أبو القاسم الشابي:

    عندما أراد الشعر الحياة...

    اليوم ...

    في توزر تورق الأشجار... وتصدح الأطيار بأحلى الأنغام... وتنساب المياه بين الجداول أكثر صفاء... ورقة... لتعلن في رومنسية حالمة عن ذكرى ميلاد رائد الصباحات الجميلة ... والحلم الإنساني الكبير في الطموح وصنع الحياة.

    أبو القاسم الشابي الشاعر الذي لازالت كلماته، تنبض في الذاكرة ولن تنطفئ.

    **

    هذا الصباح

    في توزر... يعزف الناي وديانا وشواطئ... وقرى وأريافا، روابي وفيافي... أنغاما تشدو للحياة بالكلمة المعطّرة برحيق الحبّ والصفاء والبهاء... أنغاما تتعانق فيها قسوة الحاضر وقدرته مع أشواق المستقبل وإشراقه.

    **

    هذا الصباح

    في توزر... تشرق الشمس أكثر دفئا... وانتصارا لمعاني الجمال في الوجود... وهذا الصباح.. تعود الذاكرة إلى قرن من الزمن بأيامه ولياليه للوقوف عند ميلاد شاعر أراد أن يكتب الإنسان في أجل معانيه... بصدق وصفاء روحي وزخم إبداعي...

    **

    هذا الصباح

    ترتدي توزر حلّة الشعر الذي أراد الحياة... وتمتطي صهوة الكلمة التي تبني وتؤسس للفعل الجاد...

    وهذا الصباح تعلن انتصار الطموح في الإنسان.

    هذا الصباح...

    في توزر... سيعلن رسميا عن انطلاق التظاهرات احتفاء بمرور قرن على ميلاد شاعر الحياة والإنسان... شاعر كل الفصول العربية وكل العصور العربية...

    **

    في هذا الملف،،، سعينا إلى أن يكون له طابعه الخصوصي حيث كان العمل من أجل البحث وتقديم بعض التفاصيل التي نزعم أنها لم تأخذ حظها من التعريف لدى القرّاء...

    وسعينا الى تشريك نخبة من الأسماء في الحقل الأدبي التونسي في محاولة لاستقراء شعر الشابي... حاضرا...

    **

    يقول الشاعر الكبير أحمد اللغماني.

    لنا موعد - يا أبا قاسم - ها هنا وهناك لدى جدول يترقرق عبر بساط من العشب أخضر وفي ظل باسقة فرعها يتأوّد إذا عبرت نسمة في صفوف النخيل وتخطر.

    ـــــــــــــــ

    توزر... جوهرة الصحراء

    توزر... التي شهدت تربتها يوم الأربعاء 24 فيفري 1909 ميلاد الشاعر الخالد أبو القاسم الشابي... هي أيضا (Tusurus) أو توزروس كما سماها الرومان مدينة الأحلام، جوهرة الصحراء، باب الجنة، تقع في الجنوب الغربي من تونس، على الحدود الجزائرية والحد الشمالي الشرقي للصحراء يحدها شرقا شط الجريد.إنها إحدى الواحات الأكثر شهرةً في العالم وأجملها لا سيما أنها ترتوي من مائتي نبع ماء وغابة نخيل رائعة تعد أكثر من مليون نخلة فوق مساحة تزيد على الألف هكتار.

    وأهم ما يميز واحة "توزر" أن ماءها يتدفق من منطقة راس العين عند سفح ربوة تشكل ينابيعها واديا حقيقيا مازالت عليه آثار سدود قديمة قسمها العلامة ابن الشباط تقسيما وُصِفَ بأنه معجزة هندسية، كما استطاعت أن تحافظ على تقاليدها وأصالتها ولغتها العربية القريبة من الفصحى.

    كما تضم أطراف مدينة توزر أطرف حديقة حيوان في العالم، حيث جمعت في مكان واحد كل نماذج الحيوانات الصحراوية من الغزال الجميل إلى العقرب الخطير.

    ونجد بها أيضا متحف دار شريط ويعتبر من أروع المتاحف المجسدة لأكثر من 3000 سنة من الحضارة.

    ــــــــــــــــــ

    زين العابدين السنوسي يتحدث عن الشابي الروائي

    أشار الأديب زين العابدين السنوسي في كتابه «الأدب التونسي في القرن الرابع الهجري» عند حديثه عن مسيرة الشابي إلى العثور على رواية عنوانها «المقبرة» لصاحب «إرادة الحياة» قائلا:

    «... والشابي كثير المطالعة، حاد الذهن وله باع طويل في النثر الشعري، قرأنا له فيه رواية حسنة بديعة، ناهيك أنها من نوع «الاعترافات» يقصّ فيها على لسان بطلها حوادثه وتأثراته النفسية، وهو نوع عزيز حتى عند الأمم المختمرة في نفسها الروح الروائية، لما يستوجبه من تقمّص أشخاص الرواية في قلم الكاتب، الذي يضطر إلى وصف انفعالاتهم واضطرابهم النفسي الشاذ، خصوصا وعلم النفس لم يصبح بعد عالما معلوما مضبوطا».

    ـــــــــــــــــــ

    الشابي ومجلة «أبولو» الشعرية

    مدرسة أبولو الشعرية هي إحدى المدارس الأدبية الهامة في الأدب العربي الحديث.مؤسسها هو الشاعر الكبير أحمد زكي أبو شادي الذي ولد في عام 1892 التي ضمت شعراء الوجدان في مصر والعالم العربي، ومن روادها إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وعلي العناني، وكامل كيلاني، ومحمود عماد، وجميلة العلايلي.

    وتسمية جماعة أبولو بهذا الاسم يوحي من زاويه خفيفه باتساع مجالات ثقافتهم وابداعهم كما اتسمت بوظائف (الاله الاغريقيه أبولو ) التي تتصل بالتنمية الحضارية ومحبة الفلسفه وإقرار المبادئ الدينيه والخلقية.

    وقد وجد هؤلاء الرومنسيون على اختلاف ابداعاتهم في صورة الحب الحزين والمحروم الذي ينتهي اما بفراق واما بموت معادلا موضوعيا ليأسهم في الحياة وعجزهم الاقتصادي وعجزهم عن التصدي للواقع. وكانت صورة الانسان في أدبهم فرد سلبي حزين نجد واضحا في أشعار إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وروايات محمد عبد الحليم عبد الله ومحمد فريد أبو حديد ويوسف السباعي وازدهار المسرح والرواية في هذه المرحلة يدل دلالة واضحة وأكيدة على الرغبة الواعية في الهروب من الواقع.

    وأهم ما تعاونت فيه مجال النشر وهو يكاد ينحصر في مجلة (أبولو) فقد أفسحت صدرها لكل شاعر أياً كان حظه من القدرة والشهرة ولهذا اسهم فيها كثير من الشبان فذاع صيتهم فكان صالح جودت، ومحمود حسن اسماعيل والهمشري والسيدة جميلة العلايلي في مصر وأبو القاسم الشابي في تونس والزمخشري في الحجاز.. وهناك غيرهم اسهموا بنشر قصائدهم في المجلة لم يكونوا من هذه لجماعة في قريب أو بعيد غير انهم شعراء..

    ــــــــــــــــ

    زغــوان قبلة المشاهير

    زغوان بماحباها الله من فتنة وسحر وجمال... كانت على امتداد التاريخ قبلة أبرز الشخصيات التاريخية والثقافية كالمؤرخ العربي البكري والجغرافي الكبير الإدريسي والشاعر الفذ حازم القرطاجني والرحالة المغربي الوزّاني والقس الإسباني والرحالة خيمنار كما تغنّى بها الشاعران الفرنسيان أندري جيد وفلوبار والكاتب السويسري دونان مؤسس المنظمة غير الحكومية للصليب الأحمر الدولي.

    زغوان مدينة الخضرة اليانعة والمياه الطبيعية العذبة استقر بها أيضا شاعر تونس الخالد أبو القاسم الشابي صحبـــــــة والده بدار القاضي بنهج الشواشية وكــــــان ذلك في ثلاثينات القرن الماضي.

    ــــــــــ

    الشابي في عيون الغرب

    آنا ماريا سكونيا

    ( باحثة ايطالية):

    «... لقد اهتممنا بالشابي أديبا وناقدا لنسطّــــر أنّ له نصيبا معتبرا في تنشيـــــط الحركة الأدبية التونسية وقتئذ بقطع النظر عن نشاطه الشعري، فإنه ليس شاعرا منعزلا عن المجتمع بل شارك مشاركة نشيطة في ما حدث من التجدّد والتغيير فيه.

    و م.ج.ل يونغ ( باحث ألماني):

    «إنّه من بين أهم عناصر شعر الشابي نظرته الأخلاقية إلى العالم التي تعكس دوما الصرّاع الأساسي في العالم بين الخير والشرّ وهو ما يسميه ويليام ديكسون الفيلسوف الأنقليزي في كتابه (الموقف الإنساني) بالتناقضات العظيمة ويقصد بتلك التناقضات الخلاف العميق الذي يبدو أنه يتخلل جوهر الكون ككلّ».

    ــــــــــــ

    3 سنوات وحيدا في «المشروحة»

    مضى الشابي حياته يجوب صيفا وشتاء مناطق تونس الجبلية ذات المصائف الفاتنة... وكان أن حلّ بمدينة المشروحة (قرية تقع في ولاية قسنطينة في الجزائر»... وعاش هناك وحيدا بين أحضان طبيعتها الغناء بأشجارها ومياه أنهارها الرقراقة يتحاور ويتناجى مع الأطيار يتسامر مع النجوم ويحنو على الازهار والورود، ويتغنّى بحفيف الأشجار...

    ثلاث سنوات ألهمت الشابي أجمل قصائده في حواره ومناجاته للطبيعة وجمال الوجود وسحره.

    مائوية شاعر الحرّية والخلود
    هل يمكن اعتبار المنجز الشعري للشابي قـادرا علـى تمثّـل الراهـن..؟

    هو نخلة باسقة في حديقة الشعر العربي.. نخلة شامخة... صامدة في وجه الأعاصير.. نخلة أحبت الحياة فأينعت وأزهرت رُطَبا... لذيذا... ممتعا على مدى حقب زمنية طويلة.

    هو أبو القاسم الشابي.. الذي لم يكن ومضة في مسيرة الشعر العربي... بل كان مؤثرا.. فاعلا.. مؤسّسا.. مجدّدا.. الشابي كان من كبار المجددين الذين رأوا في الشعر العربي تراثا يجب احترامه وليس منهجا يجب اتخاذه.

    **

    الشابي... تعبيرة شعرية خالدة.. ولغة سرمدية غنّى بها وترنّم بأسى النفس وغربتها.. بنشوتها ورومنسيتها.. بشفافيتها... وجبروتها.. تملّى بجمال الوجود.. وبحبّ وعشق المرأة والهيام الكبير بها.. وبالشعب إذا هبّ في وجه عسف وظلم واستبداد الطغاة.

    **

    واليوم...

    وبعد قرن على ميلاد شاعر الحبّ والخلود... هل لازالت قصائده تتملّى الحاضر.. هل يجد الباحث والدارس والقارئ فيها شيئا من واقعه اليوم...

    **

    اليوم ...؟

    وقد مرت مائة سنة على رحيل شاعر إرادة الحياة... هل لازالت كلماته تكتب الحاضر وتستشرف المستقبل.. تكتب الحاضر.. فنيّا.. وتكتب الحاضر مضمونا... وتكتب الحاضر تعابير ومفردات وصور...؟

    **

    اليوم ...

    وبعد مرور 100 سنة على ميلاد شاعر الحرية ونصير الرومنسيّة:

    هل يمكن اعتبار منجزه الشعري قادرا على تمثل الراهن..؟

    سؤال حارق... وضعناه أمام نخبة من المهتمين بالشأن الشعري في تونس .. لنستجلي حقيقة هذا المنجز وسرّ خلوده... في زمن تعدّدت فيه الرؤى والاتجاهات وتنوعت المدارس في التأسيس وكتابة القصيد الشعري...



    المنصـــــــف الوهايبــــــي

    الشابي تاريخيا شاعر ينتمي إلى الأدب «الحسيني»

    لقد ولّى زمن الشابي منذ زمن طويل، وشعره ـ على أهميّته ـ في تاريخ الشعر العربي الحديث، لا يستجيب للشعريّة المعاصرة لا من قريب ولا من بعيد، لأسباب كنت شخصيّا فصّلت فيها القول منذ سنوات. وهذا بعضها:

    لقد ظفر الشّابي من عناية الدّارسين بما لمْ يظفر به غيره من شعراء تونس. وبرغم تبدّل الزّمن ومرور مائة عام على ولادته (1909-1934) لم ينقطع ذكرُه ولا شرد من ذاكرة النّاس, بل إنّ بعض شعره استتبّ مستودعا من مستودعات الحكمة الشّعبيّة, لمْ يذهب بريقها ولا غاض. وليس مردّ هذه الشّهرة إلى وفاته المبكّرة ولا إلى قوّة أدائه الشّعريّ، فقد مات شعراء في سنّه أو دونها، ولم يحوزوا ما حازه. وقراءة شعره قراءة رصينة, تتجرّد من الأهواء العارضة والسّمعيّات المقرّرة, تبيّن أنّه يتفاوت قوّة وضعفا، وأنّ مؤثّرات الآخرين فيه، تختلف وضوحا وخفاء. وإنّما تظافرت في هذه الشّهرة أسباب وملابسات معقّدة، ليست مقاربتنا مجالا للخوض فيها, ونجملها في غياب "السّلطة الشّعريّة" في نظامنا الثّقافي الرّمزي, وربّما في ثقافة المغرب العربي قديمها وحديثها. فقد عرفت هذه البلاد منظّرين كبارا في شتّى مجالات الفقه والفلسفة والتّاريخ والنّقد الأدبي ( سحنون، ابن خلدون، ابن رشد، ابن رشيق، حازم القرطاجنّي...)، دون أن تعرف مبدعين كبارا. وكان للاشتغال بالنّظريّات موقع الصّدارة في الثّقافة "المغاربيّة" وفي مختلف أنظمتها الرّمزيّة. أمّا الإبداع الشّعريّ وهو مجلى أسرار اللّغة و"مخيالها" وبنيتها الأنطولوجيّة, فلم تكن "للمغاربيين" فيه موهبة كبيرة أو تجربة تذكر، إلاّ في النّدرة والفرط من القصائد مثل "أضحى التّنائي..." لابن زيدون الأندلسي - وثقافة الأندلس من ثقافة المغرب- و"يا ليل الصّبّ..." للحصري القيرواني، و"إذا الشّعب يوما أراد الحياة" للشّابي... وبعض الموشّحات الأندلسيّة التي سارت على الألسنة. وهذه الشّوارد هي أظهر ما بقي في الذّاكرة من ديوان الشّعر "المغاربي". أمّا النّصوص الأخرى، وهي كثيرة، فتظلّ جزءا من تاريخ الأدب, يكاد لا يُؤبه به في تاريخ الإبداع. بل لعلّها تعزّز من وجاهة هذا الطّرح، وتؤكّد غياب "السّلطة الشّعريّة" وارتباط اللّغة العربيّة في بلاد المغرب، بالمؤسّسة الفقهيّة المالكيّة, الأمر الذي جعلها لا تسخو بموفور قوّتها في الشّعر "المغاربي"، حتّى في الموشّحات وهي فنّ أندلسيّ (مغاربيّ) خالص، فقد استثمره شعراء "التروبادور" في ما يسمّى "البالاد" و"الأغاني الوجدانيّة"، وفتحوا، من خلاله, مجالا للشّعر الأوروبي لم يكن قد ارتاده من قبْلُ. على حين لم يقيّض له في الأندلس أو في بلاد المغرب، شعراء كبار يستثمرون نظامه الإيقاعي المتحرّر من القيود التّقليديّة، أو يجلّون بواسطته شعريّة "القصيدة المغاربيّة" على أتمّ وجوهها، إلاّ في فلتات نادرة. وفي ما عداها، فإنّ الموشّحات حشد من المحسّنات البديعيّة والمعاني المطروقة في القصيدة العربيّة الكلاسيكيّة، حتّى وإن استخدم بعض شعرائها الخرجة الإسبانيّة أو لاتينيّة العصور الوسطى, فإنّ ذلك لم يفض إلى ظهور تقاليد جديدة في إنشاء الشّعر "المغاربيّ".

    لعلّ في هذه الأسباب التي أجملناها، إذ هي من الأمور التي ينبغي أن يُفردَ لها مبحث خاصّ، ما يفسّر إلى حدّ كبير شهرة الشّابي وذيوع اسمه. فقد وفد الشّابي على الشّعر العربي، في ظلّ ثقافة أصوليّة وقيم شفويّة عريقة، هيمنت على هذا الفنّ طيلة قرون, وليس "للمغاربيين" فيها شأن يذكر، حتّى عندما كان الصّراع، في الثّلث الأوّل من هذا القرن، محتدما بين خطابين: خطاب تأصيليّ (أحمد شوقي وحافظ ابراهيم ومعروف الرّصافي...) وخطاب مدرسة المهجر وجماعة الدّيوان (جبران ونعيمة والعقّاد والمازني...)، فقد كان الخطاب الأوّل، هو الآسر, وهوخطاب محافظ لم يتحرّر من غواية البلاغة وسطوتها, فـ"الشّعريّ" فيه, ينبني على جماليّة الإسماع والإطراب, ووظيفته تكاد لا تتعدّى الإبلاغ والإيصال والإبانة والفهم. ونقف على صداه في كثير من قصائد الشّاذلي خزندار وكرباكة وسعيد أبي بكر... حيث القصيدة لا تحفر مجراها, وتؤسّس بلاغتها, على قدر ما يكون هذا المجرى, وهذه البلاغة مهيّأين سلفا. وإذا كان هؤلاء، تمثيلا لا حصرا, منجذبين إلى الخطاب الأوّل، دون أن يدانوا شاعرا مثل شوقي في غنائيّته, فإنّ الشّابي "كان منفردا بين معاصريه من الشّعراء التّونسيين"، وبين مجايليه مثل مصطفى خريّف، ولعلّ أقربهم رؤية، إليه، الشّــاعر الجزائــري رمضــان حمّـــود (1906-1929). وللحركة الثّقافيّة التّونسيّة في العشرينات، أثر كبير في تكوينه, إلاّ أنّه, في شعره، لم يكن ليثب وثبات الشّابي في "إرادة الحياة" أو يتدفّق تدفّقه في "النبيّ المجهول".

    كان الشّابي مأخوذا بالخطاب الثّاني,ولعلّه أن يكون في شعره, أقرب إلى الكتابة الشّعريّة المهجريّة، وإلى نوع من الإحياء الجبراني من حيث التّوسّل بالصّورة والرّمز. وفي تنظيره أقرب إلى المدرسة المصريّة في ثوراتها على الكلاسيكيّة وعلى البلاغة التي أفسدت كثيرا من شعر العرب، وكادت تحوّله إلى "مهرجان كنائيّ واستعاريّ". ونحن نلمس ذلك في أكثر من قصيدة من قصائده, وربّما نتبيّنه بجلاء في مسامرته الشّهيرة "الخيال الشّعريّ عند العرب" ومقدّمته لديوان الشّاعر المصري أحمد زكيّ أبي شادي: الينبوع" ورسائله إلى صديقه محمّد الحليوي, فنجده "يتمثّل" خصائص اللّحظة الرّومنطيقيّة ويشجّ صلته بها، وقد كانت عند العرب, في أوج سطوتها, خلال السّنوات السّابقة على الحرب العالميّة الثّانية, فيعلي من شأن الخيال الشّعري أو الفنّي "الذي يتكشّف عن نهر الإنسانيّة الجميل الذي أوّله لا نهاية الإنسان، وهي الرّوح، وآخره لا نهاية الحياة, وهي اللّه" ويفتح قصائده لنوع من الغنائيّة الفرديّة والحفاوة بـ"أنا الشّاعر" والتّواصل مع الطّبيعة "لأنّ الفنّ في صميمه إنّما هو صورة من تلك الحياة التي يحيا بها الفنّان في هذا الكون الزّاخر الرّحيب أو في دنيا خياله وأحلامه, كيفما كانت تلك الصّورة في اللّون والشّكل والعرض...". فبين الحياة والفنّ، شوابك قرابة, وفي كليهما ضرب من الوحدة، وإن تعدّدت المظاهر وتنوعّت أدوات التّعبير، وهي الجذوة التي يسمّيها شوبنهاور "إرادة الحياة". ومن اللاّفت أنّها نفس التّسمية التي يسم بها الشّابي أشهر قصائده. ولكنّ هذه الرّؤية الرّومنطيقيّة التي استرعت أنظار المشارقة إلى شعر الشّابي، لا تسوق إلى القول بأنّه تحرّر من النّظرة التّقليديّة الآسرة, وهو الذي كان على اتّصال بمنابعها رواية وتلقّيا ومشافهة، سواء في بيئة الجنوب التّونسي أو في جامع الزّيتونة. فلقد كان في قلب الحركة الرّومنطيقيّة العربيّة وفي الصّميم منها، ولكنّه ظلّ يحتفظ بالبنية الإيقاعيّة التّقليديّة جملةً وتركيبًا، ويستأنس بالمعجم اللّغويّ المهجور تضمينا واقتباسا، ويتوخّى الأسلوب الحكمي حينا، وينـزع إلى الخطابة والمباشرة حينا آخر، فيقف عند حدود الطّبيعة البادية ولا ينفذ إلى دخائلها، حتّى أنّ بعض قصائده مثل "حماة الدّين" تبدو على نسبٍ, بنية وصورة، بشعر شوقي أو حافظ والرّصافي. فلعلّ الأقرب إلى الحقّ أن نقول إنّه كان يطلّ برأسين في اتّجاهين، ولكليهما سطوته وفتنته: مدرسة الإحياء من جهة, ومدرسة المهجر من جهة أخرى. ولكن في كثير من الاحتياط والتّحفّظ. يقول الشّابي في مقدّمته الينبوع: "وأمّا المدرسة الحديثة فهي تدعو إلى كلّ ما تكفر به المدرسة القديمة بدون تحرّز ولا استثناء، تدعو إلى أن يجدّد الشّاعر ما شاء في أسلوبه وطريقته في التّفكير والعاطفة والخيال، وإلى أن يستلهم ما شاء من كلّ هذا التّراث المعنوي العظيم الذي يشمل كلّ ما ادّخرته الإنسانيّة من فنّ وفلسفة ورأي ودين، لا فرق في ذلك بين ما كان منه عربيّا أو أجنبيّا، وبالجملة فهي تدعو إلى حرّية الفنّ من كلّ قيد تمنعه الحركة والحياة, وهي في كلّ ذلك لا تكاد تتّفق مع المدرسة القديمة إلاّ في احترام قواعد اللّغة وأصولها". ولا يكتفي الشّابي بإبراز أوجه الاختلاف بين المدرستين، وإنّما يصرّح باختلافه عن "فريق من متطرّفي المدرسة الحديثة، لا يعدل بحرّية الفنّ شيئا, ولا يحفل في سبيل ذلك حتّى بقواعد اللّغة وأصولها", ثمّ يستدرك فيؤكّد "أنّ صدى هذه الطّائفة قد أخذ يخفت ويضمحلّ، ولا شكّ أنّه سيفنى مع الزّمان، فهو ليس إلاّ طفرة جامحة لكلّ الطّفرات التي تصحب كلّ انقلاب في حماسة الدّعاية الأولى".

    نحن "المغاربيين" لم نعرف طوال تاريخنا شاعرا انعقد عليه الإجماع وسار ذكره على الألسنة، غير الشّابي، فكانت حفاوتنا به، إذ توهّمنا أنّنا ظفرنا معه بـ"السّلطة الشّعريّة" في نظامنا الثّقافي الرّمزي، ومن ثمّ سهل علينا, وقد سلّمنا بها، أن نجد لها دليلا, حتّى من الشّعر الذي يسفّ فيه ويضعف. هي صدفة إذن، لا بدّ من كسرها دونما تهيّب ودونما تردّد, عسى أن نحتفظ لنصّ الشّابي بـ"تجدّده" ونجعله يستأنف لحظة ميلاده، ونحرّره من سلطان المؤسّسة التي حوّلته إلى رمز من رموزها.

    ثمّة في نصّ الشّابي رؤى محجوبة لا بدّ من فَضْحِهَا.. وقداسة لاحقة عليه, لا بدّ من فَضْخِهَا. ولقد تظافرت كلّها في حجب النّصّ, وأملت عليه، ما ليس منه، وما يجافي خاصّته. فنسينا أنّ ثقافة الشّابي بكلّ ما داخلها من عناصر وأمشاج، لمْ تكن لتبسط له أمدا فسيحا، بحيث يزيح القيم التّقليديّة المطلقة (سلطة الدّولة وسلطة الأب وسلطة الدّين وسلطة الأعراف الاجتماعيّة..)، وهي القيم التي سعت الرّومنطيقيّة الأوروبيّة إلى تقويضها، وبناء مطلق الفرد على أنقاضها.

    ×××

    أسباب كثيرة كانت تحول دون انطلاق الشّابي في تلك الآفاق الرّحبة التي "يبشّر" بها كتابُه "الخيال الشّعري عند العرب". ويمكن أن نميّز منها سببين:

    - أوّلهما: معرفة مبتسرة بالرّومنطيقيّة الأوروبيّة, تبدهُنا في جلّ كتابات المرحلة التي نحن بصددها، ومنذ لحظة اللّقاء الأوّل بهذه الحركة, في مصر والشام والمهجر الأمريكي. فلم يكن الشّابي, مثله مثل معلّميه ومجايليه من العرب، على دراية عميقة بالأصول الفلسفيّة والجماليّة التي نهضت عليها الرّومنطيقيّة مثل مناهضة سلطة الدّولة والعقل، وإعادة تقويم العلاقة بين الإنسان والطّبيعة, فقد استتبع تمكّن الحركة العلمانيّة في الغرب، خواء المؤسّسات الدّينيّة وارتباك نظام القيم بتجلّياته الأخلاقيّة والجماليّة و"المخياليّة". وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير، نشدان التّواصل مع الطّبيعة، في الأدب الرّومنطيقي الأوروبي، بعد أن كاد الأمر يختزل في ثنائيّة (الطّبيعة/الموضوع والإنسان/الذّات الفاعلة)، وحصر العلاقة في مجاهدة الطّبيعة وترويضها وتسخيرها. ولم يكن بميسور الشّابي أن يتمثّل في ظلّ هذه المعرفة التي كانت تتّسم بالاختزال النّظري، كما يقول الكاتب المغربي محمّد بنّيس، الرّومنطيقيّة في أبعادها الحضاريّة الشّموليّة، خاصّة أنّ الوسيط بينه وبين ينابيعها، إنّما هو النصّ المترجَم عن الفرنسيّة والأنقليزيّة، بكلّ ما كان يعتريه من شبهة ولبس وقلق عبارة، بسبب التّرجمة الانتقائيّة والمختزلة التي كادت تحصره في بكائيّات "لامارتين" وفي نبرة الاستكانة بدل التّمرّد والمناهضة. حتّى أنّ صورة الشّاعر التي ترتسم في ديوان "أغاني الحياة" هي صورة الرّومنطيقي الذي يدير ظهره للمجتمع، ويحمل عصاه أو قيثارته, ضاربا في الطّبيعة باحثا عن صفاء الحضور في روح الكون والأشياء أو ما يُسمّى بالعودة إلى الفردوس.

    -أمّا ثاني السّببين الذي كان يحول دون انطلاق الشّابي في آفاق الخيال الرّحبة أو "روح الإنسانيّة الصّاعدة المحرّرة" بتعبير فريد غازي، فقد يكون مردّه إلى البيئة الدّينيّة التي نشأ بها الشّاعر ودرج. وهي بيئة فقهيّة مالكيّة محافظة ظلّت على مدى قرون تعيد انتاج أصولها، في حركة أفقيّة لا رأسيّة، ودون كبير تنوّع في مصادرها.

    وليس المقصود، في هذا السّياق, البعد الدّيني، وهو واضح جليّ في شعر الشّابي, وفي سيرته كما يرويها هو نفسه، وإنّما "السّنّة اللّغويّة" التي لم تتجرّد في بلاد المغرب عن رقّ المدوّنة الفقهيّة, وطرائق مقاربتها اللّغويّة، لأسباب راجعة إلى ما يسمّيه الشّيخ الفاضل بن عاشور "التّناسب الوضعي" الذي يربط بين الفنون والعلوم المتنوّعة في وحدة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة.كان الشابي حتّى، وهو يوهمنا, في محاضرته "الخيال الشّعريّ عند العرب" بأنّه كان يسعى إلى الفصل بين نمطين من الكتابة الشّعريّة: النصّ الشّعريّ العربيّ القديم من جهة، وهو لا يميّز بين مختلف أطواره، وإنّما يراه نصّا واحدًا "ليس له من الخيال الشّعريّ حظّ ولا نصيب"، والنّصّ الشّعريّ الجديد (الرّومنطيقي) من جهة أخرى: يستبدل مطلقا بمطلق, صادرا عن مفهوم ثابت للطّبيعة الإنسانيّة أو ما يسمّيه "الرّوح العربيّة" التي انطبعت في نظره، بما انطبع به الأدب الجاهليّ "من نظرة قصيرة ساذجة لا تنفذ إلى جوهر الأشياء وصميم الحقائق". وربّما كنّا ننتظر منه، وهو المأخوذ بالخيال الرّومنطيقيّ، أن يعلي من شأن العوامل الذّاتيّة في كتابة الشّعر، فإذا به ينصرف إلى الكتابة التي "نستشفّ من ورائها خوالج الأمّة ومشاعر الشّعب..."، ويعيدنا إلى تصوّرات قديمة عن الشّعر والشّاعر، يجلوها في مجلى الحقيقة المطلقة.



    نــزار شقــــرون

    الشابي ابن الحياة

    لا يموت الشّاعر طبعا لأنّه مجبول على الالتحام بقوى الوجود الجوهريّة التي لا تكفّ عن الحضور في كلّ مكان وزمان، ولا يعدّ الموت البيولوجي غير ارتهان مشترك بين الكائنات لحقيقة مطلقة. وما الشّابي غير شاعر حوّلته الرّؤية العميقة رغم انحسار الامتداد الزّمني إلى إنسان خالد، ورغم انقضاء هذه العقود على رحيل الشّابي فإنّ سؤال راهنيّته يبقى مطروحا خاصّة في سياقات ثقافيّة تونسيّة وعربيّة جعلت منه سلطة أدبيّة، وقامة إبداعيّة تسبّب بعض النّتاج النّقدي في تأليهها دون وعي بسلبيّة هذا التّأليه بل بتضاربه مع رؤية الشّابي الفنّيّة. ولذلك لا يمكن النّظر إلى سؤال الرّاهنيّة من زاوية تصنيم شعريّة الشّاعر بقدر ما يجب الوقوف عند المكوّنات الأساسيّة التي تجعل من الشّابي راهنيّا وغير مرتهن بالتّمشّي التّصنيمي الذي تنطلق منه مقاربات نقديّة شكّلت في الحقبة الأخيرة بديلا رمزيّا لـ"المناصب الشّرعيّة" التي قاومها الشّابي وانصرف عنها لكونها مرادف أمين لسلطة التّحجّر في الوجود. لقد وقف الشّابي ضدّ مألوف الرّؤية الشّعريّة بشكل متناظر مع سعيه إلى التّجديد. فاصطدم بالذّائقة العربيّة حين واجه بشكل متميّز وعجيب "الخيال الشّعري عند العرب". لقد توقّف الشّابي عند جوهر ماهيّة الشّعر، أي عند الرّؤية الشّعريّة التي تكون بمثابة المولّد الرّئيسي للفعل الإبداعي، وهو في هذا الوقوف ما يزال راهنيّا، فمجمل الكتابات والتّجارب العربيّة الرّائدة ما تزال تواجه "الرّؤية المحنّطة للخيال العربي" التي تحوّلت لدى المتلقّي العربي إلى نوع من الطّوطم، لا تجب مهاجمته ولا زحزحته عن كاهل الشّعريّة العربيّة. لقد اختار الشّابي أن يكون في رؤيته متّصلا بالرّؤية الغربيّة التي لها "رنّة عميقة داوية" في مقابل الرّؤية العربيّة ذات "الرنّة السّاذجة البسيطة"، وما هذه الرّنّة غير إيقاعيّة الشّعريّة الثّائرة التي تتوهّج في أعماق الحياة والوجود، وبقدر ما تلمّس الشّابي راهنيّة لامارتين وغوته في عصره بقدر ما نستشعر راهنيّة الشابّي اليوم دون أن نخفي موقفنا النّقدي من كلّ الكتابات التي زعمت قراءة الشّابي دون أن تقرأه فعلا. نحن اليوم، بالمعنى الرّاهني، نحتاج إلى إعادة قراءة الشّابي خارج موجّهات المقاربات السّابقة التي سيّجته في دائرة الرّومانسيّة العربيّة أو التّأثّر المزعوم بالشّعر المهجري أو الشّعر الوطني فحسب، فإذا نوينا الحديث عن الرّاهنيّة لن نجد مناصا من تحرير الشّابي من معتقل المنظار النّقدي، ولا نغالي حين ندعو إلى تجديد قراءة الشّابي دون أن نتعالى عن دراسات نقديّة استطاعت أن تلتحم بنسغ الرؤية الشّعريّة للشّاعر. ألا ننصت للشابي في قوله:"أنا شاعر، والشّاعر عبد نفسه، وعبد ما توحي إليه الحياة، لا ما يوحي إليه البشر..وفي المناصب الشّرعيّة بالأخصّ قيود، وطقوس، وسنن متعارفة، اصطلح عليها النّاس، وألفوها، فأصبحت مقدّسة عندهم لا يمكن أن تمسّ بسوء، وأنا أعلم أنّ نفسي تأباها وتنكرها ولا تخضع إليها." ثمّة في ما صدح به أساس تعريف منزلة الشّاعر ودوره في الوجود، باعتباره من عائلة العقوق، إنّه يحدّد شرطيّة الصّفة بالرّابطة العضويّة مع الحياة، ولكن مَنْ مِن النّقّاد عكف على تعميق البحث في مفهوم الحياة لدى الشّابي؟ لماذا ترك هذا اللّفظ في خانة بداهة التّلقّي؟ لماذا أُسر في دائرة الطّبيعة والوطن والمرأة؟ أليس هناك ما هو أعمق من هذا الثّالوث؟ ماهي " الحياة " التي عناها الشّابي، أليست هي تلك الرّنّة التي يبحث عنها فما وجدها في الشّعريّة العربيّة؟ لقد ارتبط الشّابي في زمنه بـ"الحياة الحاضرة" ارتباطه بتلوّناتها، فنادى بأن يكون الشّعر ابن الحياة، وهو الذي صرّح بأنّ "لكلّ عصر حياته التي يحياها ولكلّ حياة أدبها الذي تنفخ فيه من روحها القشيب"، وهو يفرّق بين "شعر الحياة الخالد وبين شعر السّخافات والتّقاليد" وهو بذلك قد أمعن في تأسيس رؤية للشّعر تلامس جوانب رؤية الشّاعر المعاصر، بل علّه بلغ رغم يفاعته درجة التّمكّن من جوهر العمليّة الشّعريّة من حيث الوعي بمولّداتها والوقوف على أفقها الممكن والمستحيل في آن. ألم يكن هجومه على الخيال العربي من أبرز الأطر النّظريّة التي ولّدت تجربته الكتابيّة؟ ومع ذلك تحتاج مواقف الشّابي في هذا الصّدد إلى إعادة قراءة دون مغالاة بالطّبع ودون إسقاط لمفاهيم معاصرة على مباحثه بل إنّ أهمّ ما يمكن بحثه في حدود الرّاهنيّة هو الآليّات الفكريّة والشّعريّة التي جعلت من روحه روحا ثائرة، تتّجه إلى عمق الحياة باعتبارها معين التّجربة الشّعريّة ومداد كلماتها. ثمّة دعوة إلى التّناغم الشّعري مع الحياة بما في ذلك الإنصات الشّفيف إلى خفقانها. ألا نحتاج اليوم إلى شعر يتناغم فعلا مع الحياة أي إلى شعريّة تكون بنت الحياة لا بنت البلاغة؟



    محمـــــــــد البـــــــدوي

    قصائد الشابي تحمينا من الفقر الشعري

    لا شكّ أنّ أبا القاسم الشّابي استطاع بشعره أن يملأ الدنيا ويشغل النّاس، لأنّه بعد أكثر من سبعين عاما على وفاته مازال موضع اهتمام من طرف النّقاد وعموم القرّاء. ففي البرامج المدرسية والجامعية يحظى الشاعر باهتمام متزايد، وفي الساحة الأدبية يمكن الإقرار بأنّ "أغاني الحياة" هي من أكثر دواوين الشعر التونسي انتشارا وحضورا في المعارض. وهذا وحده كاف للدلالة على رغبة القرّاء في اقتناء هذه المجموعة . صحيح أنّ أبا القاسم الشّابي زعيم المدرسة الرومنطيقية، وصار أحد أبرز أعلامها لا في تونس فحسب بل في الشعر العربي، وهو أكثر شهرة من علي محمود طه. وقد يتحامل البعض على المدرسة جملة وتفصيلا سواء كان الشاعر هو الشابي أو غيره، بدعوى أنّ التاريخ تجاوزها وصارت المرحلة تحتاج اتّجاهات مختلفة ورؤى جديدة.

    لكنّ الشابي ونحن نحتفل بمرور مائة سنة على ميلاده، يبقى دوما محلّ إعجاب جيل الشباب، لحاجة هذه الفئة من الجمهور لهذا التوجّه الرومنطيقي الذي يفرضه عنصر السنّ والإعجاب بالقصائد التي تمتاز بالوضوح الذي لا يتوفّر في كثير من النصوص الشعرية الجديدة، زيادة على توفّر موسيقى قريبة من النفس نابعة من الأوزان المختارة، والمعجم البعيد عن غريب اللفظ وما في القصائد من أساليب بليغة، فيها من البيان والبديع ما يجعل قصائد الشابي تمتاز بكثافة المعنى وتعدّد القراءات .
    مائوية شاعر الحرّية والخلود
    هل يمكن اعتبار المنجز الشعري للشابي قادرا على تمثّل الراهن..؟

    محمد الهاشي بلوزة

    الشابي شاعر الإنسانية راهنا ومستقبلا

    لا بد قبل الإجابة عن هذا السؤال من الاتفاق حول مفرداته أولا، اذ ما المقصود بالمنجز الشعري وكيف نتصور تمثل الراهن؟.

    إذا كان المقصود بالمنجز الشعري للشابي ما راكمته تجربته القصيرة وما انتجته مما يتداول اليوم من قصائد فان الكم المذكور بما هو انتاج ثقافي قد لا يكفي لتمثل كل الراهن بما يطرحه من اشكالات متنوعة ومختلفة عما كان متواترا في عهد الشابي.

    أما إذا ما قصدنا التجربة الشعرية التي تطفح بها القصائد المذكورة والتي ترتقي بالكلام المجرد الى مرتبة التجربة الانسانية، يصبح «الكلام عندها ليس تمثلا فقط لأنه عندها سيكون مجرد أداة تستخدم للتعبير عن اعتمال النفس ورؤية العالم... بل ان الكلام هو المتكلم ويصبح البحث عن شعرية القصيدة في شعرية الكلام المتكلم» كما يؤكد «مارتن هايدفر» فالقصيدة الجيدة تتميز بحضور بذاته يستبعد الكاتب ويتجاوز الزمان والمكان.

    ان الشعر القادر على التعالي على أطر الزمان والمكان هو الذي يبقى ويختزل التجربة الانسانية في كل أبعادها.

    فالمتنبي الذي قال:

    ما مقامي بأرض نخلة إلا

    كمقام المسيح بين اليهود

    مفرشي صهوة الحصان ولكن

    قميصي مسرودة من حديد

    إلى أن يقول

    عش عزيزا أو مت وأنت كريم

    بين طعن القنا وخفق البنود

    لقد عايش المتنبي قبل عشرة قرون لكن قصائه مازالت تحمل نبض الانسان وتسرد معاناة الراهن

    وكذلك الشأن بالنسبة للملاحم الشعرية الخالدة كملحمة قلقامش

    هو الذي رأى كل شيء إلى تخوم الدنيا

    هو الذي عرف كل شيء وتضلع بكل شيء

    سيد الحكمة الذي بكل شيء تعمق

    رأى أسرارا خافية، وكشف أمورا خبيئة

    وجاء بأخبار ما قبل الطوفان

    إذ ما تحمله هذه القصائد من معان وقيم انسانية تخترق اللغة المجردة لتصبح حالة ابداعية خالدة.

    أنا يا تونس الجميلة في

    لج الهوى قد سبحت أي سباحه





    شرعتي حبك العميق

    وإني قد تذوقت مره وقراحه

    لقد أكد حازم القرطاجني في كتابه «المنهاج» ان الاعتقاد بأن كل كلام مقفى وموزون شعر، جهالة وهذا يعني ان موضوع حديثنا أي الشعر القادر على تخطي الزمان والمكان وتمثل كل الأوقات لأنه يختزل التجربة الانسانية هو غير الكلام الموزون والمقفى بالمفهوم التقليدي.

    هلمي الآن، أيها النار

    لأن رغبتنا تعظم

    في ترجي طلعة النهار

    لا شيء يميز قول «هولدرلن» المذكور أعلاه عن هذا المقطع من «الأرض اليباب» لأليوت

    ...مدينة الوهم،

    تحت الضباب الأسمر من فجر شتائي

    انساب جمهور على جسر لندن، غفير

    ما كنت أحسب أن الموت قد طوى مثل هذا الجمع

    أو عن قول الشابي

    إذا الشعب يوما أراد الحياة

    فلا بد أن يستجيب القدر

    الشعر الحقيقي الذي يتكلم يختلف عن الخطاب السياسي وعن الخطاب التعليمي وعن غيره من الخطابات بقدرته على تخطي اللحظة الآنية التي أبدعته للاتحاد مع المطلق بما هو جوهر بكل الاشياء.

    لذلك يخلد الشعر فيصبح ذاكرة للانسانية يحفظ أفراحها وأحزانها تتناقله الاجيال عن بعضها البعض وتردده دون اعتبار للزمان واحيانا دون اعتبار لصاحبه.

    لكل ذلك اعتقد أن المنجز الشعري للشابي على قلته الكمية قادر، مثله مثل المنجز الشعري لكل شعراء الانسانية العظام على تمثل التجربة الانسانية راهنا ومستقبلا.



    مسعودة بوبكر

    الشابي ناي لا تتوقف نغماته

    ان الظرف الاجتماعي والسياسي الذي عاشه ابو القاسم الشابي لا يشكل حالة فريدة في التاريخ بل نجدها تتكرر من حيث الحرب والهيمنة الاستعمارية بشكل او بآخر وموقف الانسان من الثورة على الغبن يعيشه على امتداد التاريخ مع تفاوت الكثافة ورؤى العصر، وما شعر الشابي الا ثورة على الاستعمار واستنهاضا للهمم والثورة على الذل والهيمنة.

    كان صوته ويظل خارج التقييم الزمني الضيق والدليل ان قولته الشهيرة (اذا الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر) مازالت وستظل تحمل حرارة وحماسة لا يفتران كان ومازال الجسر الذي يمتد بين المغرب والمشرق، جسر لم تتصدع اسسه لان معانيه خالدة مع امتداد الصراع الانساني من اجل العزة والكرامة والحرية.

    فهو رمز الشاعر الثائر على الظلم والبائد من الفكر والغبن وهو الداعي للحرية حقيقة يذكر بها الشعب لا اهل جلدته في عشرينيات القرن الماضي فقط يطلع صوته ليحلق في سماء الشعوب المضطهدة التي مازالت ترزح تحت الاحتلال في كل عصر ومكان يصدح صوت الشاعر بمضمون حي غير مقيد بمناسبة تدرجه ضمن زمن روزنامة عادية، مضمون قوامه قضية الانسان في كل زمان يدعو الى قيم انسانية خالدة وهي الثورة على الظلم من اجل الكرامة والحرية والجمال في عناصره الخالدة والحب.

    ان مضامينه الشعرية تتجلى الآن في اكثر من موضع لقد تأثر في زمنه بما يحدث في الساحة العربية وقتئذ وكان شعره الصدى لتلك التفاعلات اذ تمتد العلل نفسها في نسيج اليوم وتطفو على السطح اناشيده كأجد ما يكون انظر قصائده:

    ـ الى الشعب

    ـ ارادة الحياة

    ـ الى طغاة العالم

    شعره يتغنى بالحب كقيمة خالدة سامية انظر قصيد:

    ـ ايها الحب

    ـ صلوات في هيكل الحب

    ـ كهرباء الغرام

    شعره يتغنى بالجمال جوهر الحياة وبالروح منبع الشعور، انظر قصيد:

    ـ الجمال المنشود

    ـ فكرة الفنان

    وكأنما استشعر بمستقبل تطغى فيه المادة على حساب الروح فألح على قيمة الاحساس والشعور حيال ما ستؤول اليه الذائقة الجمالية من انصهار في المادة داعيا الى تحرير الروح والسمو بالذائقة كما تدل قولته الشهيرة من قصيد فكرة الفنان:

    عش بالشعور وللشعور فانما

    دنياك كون عواطف وشعور

    شيدت على العطف العميق

    وانها لتجف لو شيدة على التفكير

    هذا بالنسبة الى شعره اما بالنسبة الى نثره الذي لم يستوف حقه من البحث والنقد والتحليل فقد كان موقفه حداثيا بالدرجة الاولى ومحاضرته «الخيال الشعري عند العرب» دليل على ذلك ولا اظن ما اثار من قضايا التجديد ببعيدة عن شواغل اهل الادب حديثا.

    يقول الشابي: في قصيد الجبار الذي يعتبر تحديا لصعاب والعلل بانواعها الجسدية والنفسية اني انا الناي الذي لا تنتهي نغماته ما دام في الاحياء.



    شمس الدين العوني

    تجربة صادقة تستدعي

    إعادة قراءة وتأويل

    تظلّ تجربة الشاعر الكبير أبو القاسم الشابي تحتمل قراءات عدة لما تمثله من خصوصيّة ومقاربة إنسانيّة نهلت من أعماق الوجدان ولذلك فإن مختلف المقاربات التي تعاطت مع هذا الشاعر الساكن وجداننا قد حاولت إلى حدّ ما سير أغوار هذا المنجز الشعري...

    الواضح أنّ نصوص الشابي قد استبطنت خبرا مهمّا من عوالم الذات الشاعرة الحالمة والتوّاقة نحو الأفضل وخاصة نظرته للحاجة إلى أدب جديد وهذا مهمّ فالشابي كان مسارنا بهذا الهاجس ومن هنا يمكن القول إنّ التجربة حيّة وقادرة على هضم التحولات التي حدت فيما بعد شعريا وكونيا وجماليا.. ولكن الموت حال دون ذلك رحم الله الشابي.

    المهم هو ما تعرضه علينا هذه التجربة من إعادة قراءة بالنّظر لهذا المنجز الشعري التونسي الذي تمثله الشابي في تلك الفترة التي عاشها حيث كانت النزعة الرومانسية طاغية كغاية لديه وأقول إنّ العالم الآن وأمام هول ما يحدث في حاجة إلى رومانسية جديدة تنزع نحو رفض الخراب والدمار وتهديد الذات الإنسانية في تلويناتها المختلفة...

    هكذا، تظل تجربة الشابي حيّة طازجة في عنقود الشعر التونسي والعربي والعالمي بالنّظر لصدقها وعنفوان ترجمانها الشعري..



    نجــــاة العدوانــــي

    الشابــي لا يمــوت أبــدا

    رغم تفاعلها مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الشعب التونسي آنذاك، استطاعت القصيدة الشابية أن تتأمل الأشياء بمنظور مستقبلي، ينطلق من الذات الإنسانية في أغلالها ليحرّرها ويرتفع بها خلف أسوار الزمكان الضيقة. هذا إلى جانب تجاوز الشابي لألمه الفردي النابع من مرضه واستجابته لألم المجموعة ومعاناتها، ما جعله يوسّع معاناته هو كفرد ويذيبها في أتون المجموعة. ومن قرأ الشابي يلاحظ أنّ هذا الشاعر رغم رومنسيته لا يكتفي بمحاكاة القضايا أو تصويرها فوتوغرافيا، بل يتبنّاها وينصهر فيها حتى تُصبح هو في وجعه وحزنه العظيم، ذلك الحزن الفاعل، المتفجّر الذي يخلق الثورة وينقم على العجز فيتحوّل الحرف إلى فأس يقتلع اليأس والخنوع ويصبح الشعر وسيلة تأثير، فاعلة توقظ الشعب النائم، الخامل وتحقّق النصر والتقدّم وهذه القيم ستظل مستمرّة يطلبها الإنسان في كل الأزمنة، أينما كان فكيف إذا يموت من له مثل هذه الكتابة.

    هل يتوارى من رسم بدمه إرادة الحياة وأرسلها عبر أنفاسه نشيدا سرمديّا يصمد وسط متغيّرات العصر من أشكال فنية وتكنولوجيات.

    إنّ الأدب الذي يهتمّ بالوجدان الإنساني ويعايش المعاناة البشريّة في مفاهيمها الشاملة التي تُحرّر الذات من أسرها وتسمو بها فوق العقد والمقاييس الضيقة يمكنه أن يتواصل مع الراهن والمستقبل طالما أنه يستهدف الإنسان خارج الزمكان.



    قصائــــــد الشابـــــــي المغنــــــاة

    لحنان لقصيد «إرادة الحيـاة» بصـوت سعاد محمد

    «الصباح الجديد» «صلوات في هيكل الحب» «شكوى اليتيم» أكثر القصائد غناءا

    تخليدا لابداعات الشاعر الخالد أبي القاسم الشابي والذي تمكّن دون غيره من شعراء عصره التونسيين من الاشعاع والبروز وتجاوز الحدود في جميع الاقطار العربية حيث أصبحت أشعاره قبلة محبذة من قبل أعظم الملحّنين وأشهر الاصوات العربية وخاصة قصائده الوطنية منها والرومانسية، ارتأيت البحث عن جملة قصائد شاعرنا التي حظيت بالـتلحين والغناء في تونس وخارجها . ورغم ضنى هذه المكابدة التي امتصتها متعة البحث فقد تمكّنت في النهاية من اكتشاف قصائد قد لحنت سابقا ولكنّها نادرة البثّ إذاعيا، وللامانة لا بدّ من التذكير بأنّي قد اعتمدت في ذلك خاصّة على مواقع الانترنات ـ التي شحّت بمعلوماتها هذه المرّة ـ وعلى الجرائد والمجلات وخزينة إذاعة المنستير(مع تجديد شكري لكلّ العاملين بها) ولذلك تجدر الاشارة إلى إمكانية عدم ذكر قصيد أو أكثر قد وقع ـ تلحينه أو أداؤه، وإن كان وقد حدث ذلك فإنّه ليس تقصيرا أو تغافلا منّي وإنّما يعود بالاساس إلى عدم توفّر المعلومة لا غير . وأمّا عن قصائد أبي القاسم الشابي المغناة فهي:

    1 - قصائد أدّاها مطربون تونسيون

    الطفولة: ـ تلحين عز الدين العياشي ـ أداء ثامر عبد الجوّاد

    أنت أنشودة الاناشيد ـ ـ تلحين وأداء علي الرياحي

    شكوى اليتيم ـ ـ تلحين الحبيب التركي ـ أداء عدنان الشواشي

    أقبل الصبح يغني ـ ـ تلحين وناس كريم ـ أداء كورال إذاعة صفاقس

    أنا يا تونس الجميلة ـ ـ تلحين محمد الهادي ـ أداء هادية جويرة

    الطفولة ـ ـ تلحين قدور الصرارفي ـ أداء عز الدين إيدير

    صلوات في هيكل الحبّ ـ أداء عز الدين إيدير (لم يقع التنصيص على اسم الملحّن)

    ها هنا في خمائل الغاب ـ ـ تلحين محمّد رضا - أداء عز الدين إيدير

    الصباح الجديد (اسكني يا جراح) ـ ـ تلحين عبد الرّحمان العيادي ـ أداء أمينة فاخت

    قدّس الله ذكره ـ ـ تلحين سيد شطا ـ أداء عليّة

    أيّها الظالم المستبدّ ـ تلحين مصباح الصولي ـ أداء كورال المكنين

    غنّاه الامس ـ تلحين محمد سعادة ـ أداء سلمى

    فكرة الفنان ـ تلحين رضا الشمك ـ أداء وليد المزوغي

    شكوى اليتيم ــ تلحين عبد الحكيم بلقايد ـ أداء سنية مبارك

    أيّها الحبّ ـ تلحين أحمد الصباحي ـ أداء صفية شامية

    قد سكرنا بحبّنا ـ تلحين زرياب (د صالح المهدي) ـ أداء عليّة

    إليك مددت الكفّ ـ تلحين زرياب (د صالح المهدي) ـ أداء نعمة

    الصباح الجديد (اسكني يا جراح) ـ تلحين وأداء نجوى بن عرفة

    إرادة الحياة ـ تلحين وأداء فرقة "نشاز" التونسية (وأصبح عنوان القصيد "اليوم الثامن )

    إرادة الحياة ـ تلحين وجدي شيا ـ أداء لطيفة العرفاوي

    إلى طغاة العالم ـ تلحين جمال سلامة ـ أداء لطيفة العرفاوي

    نشيد الحياة ـ أداء جماعي لكلّ من (نور الدين الباجي ـ درصاف الحمداني- صلاح مصباح وأماني السويسي)

    2 - قصائد أدّاها مطربون آخرون

    صلوات في هيكل الحبّ (6 أبيات للشابي وإضافات أخرى) ـ أداء محمّد عبده

    إرادة الحياة ـ تلحين وأداء حليم الرّومي

    إرادة الحياة ـ تلحين حليم الرّومي ـ أداء سعاد محمد

    إرادة الحياة ـ تلحين رياض السنباطي ـ أداء سعاد محمد

    يا ابن أمّي (خلقت طليقا) ـ تلحين حليم الرّومي ـ أداء ماجدة الرّومي

    الصباح الجديد (اسكني يا جراح) ـ تلحين مدحت عاصم ـ أداء عبد العزيز محمود

    شكوى اليتيم ـ أداء هيام يونس (لم يقع التنصيص على اسم الملحّن)

    الصباح الجديد (اسكني يا جراح) أداء أبو بكر سالم الفقيه (مطرب خليجي) - (لم يقع التنصيص على اسم الملحّن)

    صلوات في هيكل الحبّ: أداء حسن سليمان سيف الجامعة (السودان) - (لم يقع التنصيص على اسم الملحّن)

    صلوات في هيكل الحبّ ـ تلحين كاظم نديم (ليبيا) (لم يقع التنصيص على اسم المؤدّي)

    الصباح الجديد (اسكني يا جراح) تلحين عبد النبي الجيراري ـ أداء البشير عبدة (المغرب)

    والملاحظ من خلال هذا البحث في " المكتبة الغنائية " الخاصة بالشاعر أبي القاسم الشابي أنّ أكثر قصائده المغناة هي "إرادة الحياة" و"الصباح الجديد" و"صلوات في هيكل الحبّ" و"شكوى اليتيم"، كما أنّه لا بدّ من التأكيد على أنّ الفنانة سعاد محمد قد انفردت عن غيرها من المطربين بأداء قصيد "إرادة الحياة بلحنيْن مختلفين لكلّ من رياض السنباطي وحليم الرّومي وهو أمر يمكن اعتباره استثنائيا ونادر الحدوث إذ أننا اعتدنا أن نستمع لنفس القصيد وبلحن واحد مشهور جدّا لحليم الرّومي وبأصوات عربية مختلفة خاصّة كلّما استبدّ بالامّة العربية الظلم والقهر والجبروت (وآخرها ما حدث في غزّة الكرامة والعزّة) ومن خلال ذلك نستشفّ مدى عظمة شاعرنا واستباقه للزّمن وتعلقه الدّائم بالحرية وكسر الحصار الذاتي ووأد اليتم الانساني؟

    محمّد كمال السخيري




    إنّ الشابي شاعر خالد لا شكّ في ذلك، وشعره مازال يحقق الانتشار. يسعى الشعراء النّاشئون إلى تقليده والنسج على منواله في المراحل الأولى من تجاربهم، تسحرهم قصائد أبي القاسم بخصائصها الفنّية ومضامينها النضالية التي يشعر قارئها وكأنّها كُتبت حديثا تعبيرا عمّا يحدث في الشرق الأوسط من تحدّيات، وما تمارسه القوى العظمى من استغلال لبلدان العالم الثالث سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

    ورغم قيمة الشابي الشعرية وحداثة قصائده، وشهرته الواسعة، فلا يجب أن ينسينا أنّ في تونس شعراء وشاعرات من طراز جيّد يكتبون بأساليب متطوّرة، وهم قادرون على تأكيد الحضور والإقناع إذا ما نالوا حظّهم الكافي من الاهتمام النقدي وفرص الانتشار الإعلامي داخل تونس وخارجها، إضافة إلى حضور المدوّنة الشعرية بصفة كافية.

    وإذا كان الاحتفال بمائوية الشابي حدثا ثقافيا جديرا بكلّ تقدير وتنويه، فيجب أن يكون فرصة متجدّدة لمصالحة جمهور واسع مع الشعر، لأنّ الكثير مما يتمّ نشره اليوم، فيه من الفقر الشعري ما يجعلنا نلجأ بصفة آلية إلى قصائد أبي القاسم الشابي لأنّها حافظت على الكثير من الوهج وبإمكانها أن تعصمنا ممّا تعيشه الساحة الشعرية من اختلاط الشعراء بالمتشاعرين، في تونس وفي كلّ البلاد العربية، خصوصا أنّهم وجدوا في وسائل الاتصال الحديثة مجالا مناسبا للشهرة لا يخضع لأية رقابة
    نقدية.

    للاطلاع على الموضوع هذا هو الرابط :
    http://www.assabah.com.tn/


       معلومات الموضوع / المقال - المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    العنوان " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"
    الكاتب / الكاتبة محمد حامد القبي
    رابط المقال " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"
    المصدر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    حقوق هذا الموضوع / المقال محفوظة مالم يكن الموضوع منقولاً إلى منتديات المعهد العربي
    " بنيّ لا تنحن أمام أيّ كان ،
    و لا تركع إلاّ أمام خالقك جلّت قدرته."

    حامد القبّي
    والدي تغمّده الله برحمته

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الدولة
    الجمهورية التونسية - مدينة صفاقس
    المشاركات
    6,826
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    46

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ملف توثيقي غني يدل على عناية موصولة بشاعرية أصيلة .
    جزاك الله خيرا سيدي على هذه الإضافة النوعية الغنية بوثائق تضمن الاستفادة من قراءة الملف.
    * أبو القاسم الشابي شاعر عربي كبير ولكنه لم يخف عددا كبيرا من الشعراء الجيدين المجيدين لعل منهم - ذكرا لا حصرا- منور صمادح،محمد البقلوطي، محمد الشعبوني، أحمد و مختار اللغماني ...
    * وفقك الله سيدي في مهمة التعريف بالمبدعين التونسيين في هذا المعهد الشامخ .

  3. #3
    الصورة الرمزية المصطفى الدقاري
    المصطفى الدقاري غير متصل
    اشـــراف عــام، (مُحكم)
    رئيس تحرير المنتقى
    ناقد وباحث في المناهج
    تفضل بزيارة منتداي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    ..........
    المشاركات
    21,477
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    128

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    الشكر لك أخي العزيز محمد
    وصلني أنه يوجد شاعر من اقرباء الشابي
    ثم لي اقتراح ان نفتح ملفا عن الشاعر، نوثق فيه أعماله وكل ما نشر حوله وكل البحاث التي تناولت أشعاره وحياته. زذلك في أفق تأسيس مركز الشابي .

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    صفاقس تونس
    المشاركات
    3,791
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    32

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علي بن يوسف مشاهدة المشاركة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ملف توثيقي غني يدل على عناية موصولة بشاعرية أصيلة .
    جزاك الله خيرا سيدي على هذه الإضافة النوعية الغنية بوثائق تضمن الاستفادة من قراءة الملف.
    * أبو القاسم الشابي شاعر عربي كبير ولكنه لم يخف عددا كبيرا من الشعراء الجيدين المجيدين لعل منهم - ذكرا لا حصرا- منور صمادح،محمد البقلوطي، محمد الشعبوني، أحمد و مختار اللغماني ...
    * وفقك الله سيدي في مهمة التعريف بالمبدعين التونسيين في هذا المعهد الشامخ .
    أخي العزيز علي بورك فيك و زاد الله في معرفتك :
    صحيح ما ذهبت إليه و لكن هناك العديد من الشعراء الموجودين على السّاحة الذين يسعون إلى إقصاء شاعرنا العربي الكبير أبي القاسم الشابّي لأنّه يخيفهم فلا يستطيعون ذلك و لن يستطيعوا ...
    مع أطيب المنى
    " بنيّ لا تنحن أمام أيّ كان ،
    و لا تركع إلاّ أمام خالقك جلّت قدرته."

    حامد القبّي
    والدي تغمّده الله برحمته

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    صفاقس تونس
    المشاركات
    3,791
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    32

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة el Mostafa Doukary مشاهدة المشاركة
    الشكر لك أخي العزيز محمد
    وصلني أنه يوجد شاعر من اقرباء الشابي
    ثم لي اقتراح ان نفتح ملفا عن الشاعر، نوثق فيه أعماله وكل ما نشر حوله وكل البحاث التي تناولت أشعاره وحياته. زذلك في أفق تأسيس مركز الشابي .
    أخي العزيز مصطفى :
    الشكر كلّ الشكر لك على هذا المقترح الممتاز ، بإمكانك منذ الآن إدراج هذا المركز تحت اسم "مركز الشابي" في دوحة الكتاب أو في أيّ دوحة أخرى و بإمكانك نقل هذا الموضوع : " مائوية شاعر الحرية و الخلود" و بقية المواضيع الأخرى المتعلقة بالشابي إلى هذا المركز ،و لنؤسسه و نؤثثه معا.
    مودتي
    أخوك : محمد القبي
    " بنيّ لا تنحن أمام أيّ كان ،
    و لا تركع إلاّ أمام خالقك جلّت قدرته."

    حامد القبّي
    والدي تغمّده الله برحمته

  6. #6
    الصورة الرمزية مائسه ماجد
    مائسه ماجد غير متصل
    إشراف عام
    مساعد اداري
    رئيسة تحرير نوارس أدبية
    نور الأدب
    تفضل بزيارة منتداي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    مملكة النور؛
    المشاركات
    14,752
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    93

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    كان صدى حرفه يشي بحضور ، لم يغب كليا نحن معه دوما - إن قرأناه - على موعد !


    شكرا بحجم هذا الوعي المختلف .


    الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة
    فمن لا حكمة له لا حُكم له ، و من لا معرفة له لا عِلم له.


  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    صفاقس تونس
    المشاركات
    3,791
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    32

    رد: " مائوية شاعر الحرّية و الخلود"

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نور الأدب مشاهدة المشاركة
    كان صدى حرفه يشي بحضور ، لم يغب كليا نحن معه دوما - إن قرأناه - على موعد !


    شكرا بحجم هذا الوعي المختلف .
    شكرا نور الأدب ...
    شعر الشابّي سيبقى خالدا في نفوسنا و قلوبناو مهجنا .. و لن يمّحي من الذاكرة مهما تعاقبت الأجيال
    و تتالت الحقبات ...
    امتناني و تقديري
    " بنيّ لا تنحن أمام أيّ كان ،
    و لا تركع إلاّ أمام خالقك جلّت قدرته."

    حامد القبّي
    والدي تغمّده الله برحمته


المواضيع المتشابهه

  1. عامُكم "مُبَارَكُ" و"ليفني" و"عباس"
    بواسطة عبد الدائم السلامي في المنتدى عبد الدائم السلامي
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 01-28-2010, 05:53 PM
  2. "موسم الهجرة إلى الخلود"
    بواسطة محمد حامد القبي في المنتدى دوحة الكتاب.. (لاستعراض الكتب)
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 02-24-2009, 03:20 AM
  3. مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-26-2009, 09:18 PM
  4. "العربي" "المسلم" "الشريف" .. بين المطرقة و السنديان.....
    بواسطة سلوى فريمان في المنتدى المقال السياسي
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 10-05-2008, 04:30 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 01:49 AM







Powered by vBulletin™ Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.